سيد محمد طنطاوي

215

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : إنا خلقنا الإنسان بقدرتنا وحدها . « من نطفة » أي : من منّى ، وهو ماء الرجل وماء المرأة ، « أمشاج » أي : ممتزج أحدهما بالآخر امتزاجا تاما . أو خلقناه من نطفة مختلطة بعناصر متعددة ، تتكون منها حياة الإنسان بقدرتنا وحكمتنا . وخلقناه كذلك حالة كوننا مريدين ابتلاءه واختباره بالتكاليف ، في مستقبل حياته حين يكون أهلا لهذه التكاليف . * ( فَجَعَلْناه ) * بسبب إرادتنا ابتلاءه واختباره بالتكاليف عند بلوغه سن الرشد * ( سَمِيعاً بَصِيراً ) * أي : فجعلناه بسبب هذا الابتلاء والاختبار والتكاليف مزودا بوسائل الإدراك ، التي بواسطتها يسمع الحق ويبصره ويستجيب له ويدرك الحقائق والآيات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق رسلنا . . إدراكا سليما ، متى اتبع فطرته ، وخالف وساوس الشيطان وخطواته . وخص - سبحانه - السمع والبصر بالذكر ، لأنهما أنفع الحواس للإنسان ، إذ عن طريق السمع يتلقى دعوة الحق وما اشتملت عليه من هدايات ، وعن طريق البصر ينظر في الأدلة المتنوعة الكثيرة التي تدل على وحدانية اللَّه - تعالى - وعلى صدق أنبيائه فيما جاؤوا به من عند ربهم . وقوله - سبحانه - * ( إِنَّا هَدَيْناه السَّبِيلَ ) * تعليل لقوله * ( نَبْتَلِيه ) * ، وتفصيل لقوله - تعالى - * ( فَجَعَلْناه سَمِيعاً بَصِيراً ) * ، والمراد بالهداية هنا : الدلالة إلى طريق الحق ، والإرشاد إلى الصراط المستقيم . أي : إنا بفضلنا وإحساننا - قد أرشدنا الإنسان إلى ما يوصله إلى طريق الحق والصواب ، وأرشدناه إلى ما يسعده ، عن طريق إرسال الرسل وتزويده بالعقل المستعد للتفكر والتدبر في آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا . وقوله : * ( إِمَّا شاكِراً وإِمَّا كَفُوراً ) * حالان من ضمير الغيبة في « هديناه » وهو ضمير الإنسان . و « إما » للتفصيل باعتبار تعدد الأحوال مع اتحاد الذات : أو للتقسيم للمهدي بحسب اختلاف الذوات والصفات . أي : إنا هديناه ودللناه على ما يوصله إلى الصراط المستقيم ، في حالتي شكره وكفره ، لأنه إن أخذ بهدايتنا كان شاكرا ، وإن أعرض عنها كان جاحدا وكافرا لنعمنا ، فالهداية موجودة في كل الأحوال ، إلا أن المنتفعين بها هم الشاكرون وحدهم . ومثل ذلك كمثل رجلين ، يرشدهما مرشد إلى طريق النجاة ، فأحدهما يسير في هذا الطريق